اجتياز امتحان الكفاءة في اللغة العربية

مقدمة:

 

الكفاءة في اللغة القومية متطلب للمواطنة والعمل

تحتل اللغة القومية مكانة خاصة لدى معظم شعوب العالم، فهي المعلم الثقافي الخاص الذي يميّز هويتها القومية؛ حتى في البلدان التي تهدد وحدتها السكانية والقومية عوامل الهجرة والنزوح من بلدان أخرى، تظل هناك نزعة لصهر الانتماءات المختلفة في بوتقة واحدة لحث نوع من التجانس السكاني والهوية الواحدة والحفاظ على اللغة الأصلية والسمات المميزة للتراث الثقافي.

وفي بعض هذه البلدان، يُطلب ممن يهاجر إليها، أو يتقدم للعمل فيها، أن يثبت تمكّنه من لغتها الرسمية باجتياز امتحان الكفاءة في اللغة. والمثال على هذه البلدان الولايات المتحدة الأمريكية. وفي بلدان أخرى، يطلب من المتقدمين للعمل في المؤسسات العامة – وربما الخاصة- من المواطنين، وغير المواطنين، اجتياز امتحان الكفاءة في أكثر من لغة؛ ففي كندا، مثلاً، تفرض الحكومة الاتحادية اجتياز امتحان في اللغة الإنجليزية لمواقع، وفي اللغة الفرنسية لمواقع أخرى، حسب متطلبات موقع العمل؛ وهناك مواقع عمل تتطلب إتقان اللغتين فيُختبر المتقدم باللغتين (Language Proficiency Tests in Ottawa, n.d)؛ وفي فنلندا يُطلب من المتقدمين للعمل فيها من المهاجرين اجتياز امتحان في اللغة الفنلندية أو السويدية (Language Requirements for Public Sector Work , 2009)

وفي هونج كونج، قرر المجلس التشريعي للخدمة المدنية أن يكون من متطلبات القبول في الخدمة المدنية اجتياز امتحان في اللغتين الإنجليزية والصينيـة (يُعقد لأغراض التوظيـف فقط وليس لأغراض إجازة أكاديميـة). (Legislative Council Panel on Public Service, 2002)

وفي مقاطعة ويلز البريطانية تنبّه المسؤولون فيها إلى تراجع أعداد الذين يتكلمون لغة ويلز الأصلية بدرجة كبيرة، بسبب تزايد استخدام اللغة الإنجليزية، فاتخذت إجراءات كان من أبرزها إصدار قانون خاص عام 1993 أدى إلى إحياء اللغة الأصلية لويلز حتى تصبح في موقع مواز للغة الإنجليزية، وبذلك أصبحت ويلز ثنائية اللغة، وما لا يقل عن 62% من مواطنيها يستخدمون لغة ويلز في معاملاتهم اليومية (Welsh Translation Service…, 2008 – 2009).

وفي بلدان الاتحاد الأوروبي تُطبق نصوص قانونية تنظم حرية الحركة بين بلدان الاتحاد الأوروبي، وتحظر التمييز غير المباشر الذي يمكن أن يحجب فرص العمل في أحد بلدان الاتحاد عن المتقدمين للعمل من مواطني بلدان الاتحاد الأخرى؛ إلا أن هذا الحظر لا ينطبق على الحالات التي تكون فيها معرفة اللغة مطلوبة على أساس طبيعة الوظيفة المتوافرة؛ وبكلمة أخرى، عندما تفسح إحدى دول الاتحاد فرص عمل مشروطة بتحقّق الكفاءة في لغة تلك الدولة، يفسر ذلك أنه نوع من التمييز غير المباشر تجاه العمال الأجانب، إلا إذا بيّنت الجهات المختصة أن المعرفة اللغوية الخاصة ضرورية للوظيفة، ويعد هذا مسوّغا في وظائـف من نوع العمل في المحاكم القضائيـة والأمن والإدارات المركزيـة (Coulmas, 1991).أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فمن المعروف أن الكفاءة في اللغة الإنجليزية شرط تفرضه الحكومة الاتحادية على المهاجرين إليها، كما تفرضه حكومات معظم الولايات على كل من يتقدم للعمل فيها، وبخاصة في حقل التعليم، والمثال على ذلك ما تفرضه حكومة ولاية إلينوي من متطلبات لإجازة المعلمين فيها، في مهارات الاتصال، وهذه تشمل مهارات في اللغة الإنجليزية تتعلق بتبادل الأفكار والمعلومات مع الآخرين، وأساليب التفاعل اللفظي والكتابـي، وغير ذلك (State of Illinois Teacher Certification, 1996).

وفي الأردن، تنص المادة الثانية من الدستور (مجلس الأمة، 1986) على أن اللغة العربيـة هي اللغة الرسميـة للدولة؛ وجاء في قانون التربيـة والتعليم (1994) أن “اللغة العربية ركن أساسي في وجود الأمة العربية وعامل من عوامل وحدتها ونهضتها”، كما نصّت أهداف التعليم في المرحلة الأساسية على: “أن يتقن الطالب المهارات الأساسية للغة العربية بحيث يتمكن من استخدامها بسهولة ويسر”. ونصت أهداف التعليم الثانوي في القانون المذكور على أن “يستخدم (الطالب) لغته العربية في تعزيز قدرته على الاتصال، وتنمية ثقافته العلمية والأدبية، ومراعاة مقومات البناء اللغوي الصحيح للغة، وتذوق فنونها”.

لكن بالرجوع إلى نظام الخدمة المدنية في الأردن (رقم 30 لعام 2007) لا نجد ما يشير إلى متطلب الكفاءة في اللغة عند التعيين في المؤسسات العامة، ولا يُفرض مثل هذا المتطلب عند التعيين في المؤسسات الخاصة. وينص نظام الخدمة المدنية المذكور على إجراء امتحانات تنافسية للمتقدمين للوظائف الحكومية، وفقاً “لتعليمات اختيار وتعيين الموظفين”، وتنص هذه التعليمات على طالبي التعيين في الوظائف الإدارية والمالية والفنية،… ” لكن لم يحدد النظام، ولا التعليمات، مضامين هذه الامتحانات. وقد عمد الديوان خلال السنوات الأخيرة إلى إجراء هذه الامتحانات في بعض المواد التخصصية، ولم يكن متطلب الكفاءة في اللغة العربية من بينها. وجدير بالذكر هنا أن الديوان بدأ مؤخراً العمل مع فريق من المتخصصين الأكاديميين في إعداد مجموعة اختبارات لأغراض الاختيار والتعيين في الوظائف الحكومية، بحيث تشمل جوانب تخصصية وظيفية، وأخرى في مجال الاستعداد العقلي والتكوين الشخصي، واختبارا للكفاءة في اللغة العربية (تأخذ علامته نسبة وزنية بمقدار 15% من العلامة الكلية)، واختباراً للكفاءة في اللغة الإنجليزية (تأخذ علامته نسبة وزنية بمقدار 10% من العلامة الكلية).

هنا لا بد من التساؤل: كيف يمكن تحديد مستوى الكفاءة في اللغة العربية المطلوب من موظف في المؤسسات العامة أو الخاصة ؟ وهل من مبرر لفرض متطلب الكفاءة في اللغة؟ الاتجاه السائد في أدبيات التنظيم المؤسسي أن كفاءة الموظف أو العامل – ممثلة بمؤهلاته وخبراته وقدراته وسماته الشخصية- هي التي تقرر مستوى أدائه الوظيفي؛ فإذا كانت الكفاءة في العمل ترتبط بالكفاءة في اللغة، وبارتفاع كفاءة الموظف اللغوية ترتفع معها كفاءته في العمل، يكون لدينا ما يبرر فرض متطلب الكفاءة في اللغة شرطاً للتعيين في الوظيفة، وعندئذ نصمم مستوى الكفاءة المطلوب في مقياس أو امتحان بتحديد المكوّنات اللغوية – من مهارات ومضامين وتطبيقات – الأكثر صلة بالكفاءة في العمل.

لكن واقع مؤسسات العمل قد لا يقيم الدليل على أن الكفاءة في اللغة العربية ذات أثر بيّن على الكفاءة في أداء الموظف في هذه المؤسسات، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فالطبيب يشخّص المرض ويكتب وصفاته وتقاريره بغير العربية، وفي الأعمال الهندسية تسود المصطلحات الهندسية أيضا بغير العربية، وفي البنوك والمؤسسات المالية والتجارية تستخدم أنظمة معلومات وآليات حاسوب تسيطر عليها المصطلحات والتعابير الإنجليزية؛ فضلاً عن استخدام اللغة الإنجليزية في التدريس الجامعي في تخصصات العلوم والطب والهندسة؛ وفي بعض التخصصات الأخرى تُقحم المصطلحات الأجنبية -الإنجليزية بخاصة- لأن مدرس مادة التخصص تعلمها بلغة أجنبية وأخذ يرددها لطلبته، فجاءت لغة التدريس عنده مزيجاً من العامية ولغة المصطلحات الأجنبية؛ وبذلك يتعزز التوقع بأن ترتبط كفاءة الأداء الوظيفي في كثير من الأعمال المهنية – في الطب والهندسة والبنوك والتدريس الجامعي، وغيرها- بكفايات تم اكتسابها بلغة أجنبية، ولم يكن للكفاءة في اللغة العربية دور واضح فيها، ولعلنا أخذنا نألف الموظف الذي يتحدث ويتعامل بلغة يحاول فيها الاقتراب من الفصحى، ولكنها أقرب إلى العامية، وفي الوقت نفسه يخالطها بتعابير ومصطلحات أجنبية، وكأننا نقترب من نوع من ثنائية اللغة، يستخدم فيها الفرد لغتين استخداماً غير صحيح لكليهما.

هذا النوع من الثنائية في اللغة، على النحو الذي فرضته وقائع – قسرية أو عفوية- يمثل نوعا من عدم المساواة في أساليب الاتصال عندما يتنافى مع ما نسعى إليه من تأكيد أبرز مقوّمات الهوية القومية في الفرد، ويترتب على ذلك العمل على تطويع اللغة العربية – بما تملك من إمكانات- لتصبح لغة العلم ومصطلحاته، ولغة التكنولوجيا ومصطلحاتها، ومن الوسائل الفعالة في تحقيق هذا الهدف تأهيل الفرد – المواطن – الموظف بمستوى معياري من الكفاءة في اللغة العربية بما يمكنه من القيام بآلية تطوير وتطويع اللغة العربية لمتطلبات الوظيفة وما تقتضيه طبيعتها بأبعادها العلمية والتقنية المتجددة.

أما محور الاهتمام في هذه الورقة فهو بيان أهمية التحقق من مستوى الكفاءة في اللغة العربية لدى المتقدمين للعمل في المؤسسات العامة والخاصة، باستخدام امتحانات تُصمم لهذا الغرض؛ ويترتب على ذلك بيان مبررات فرض الامتحان، والقضايا اللغوية التي يُعنى بها، كما يترتب عليه تعرّف جوانب القصور في الأداء اللغوي لدى عينات من العاملين في المؤسسات العامة والخاصة، والمهارات اللغوية الأساسية التي تؤلّف مدخلات عملية في بناء الامتحان.

قضايا اللغة العربية، والتحديات التي تواجهها

هناك دراسات متخصصة تندرج تحت مسمّى “تقويم الحاجات” يستخلص منها الباحثون بيّنات لتقدير “الجدوى” من مشروع أو خطة عمل من نوع ما تتناوله هذه الورقة في مشروع امتحان الكفاءة.

في اللغة العربية لدى المتقدمين للعمل في المؤسسات العامة والخاصة. هنا نتساءل: هل هناك حاجة للتعرف إلى مستوى الكفاءة في اللغة العربية لدى أفراد يُفترض أنهم تعلموها فيما لا يقل عن اثني عشر عاما في مراحل التعليم العام؟ وهل يعاني الأشخاص الذين يتقدمون للعمل في المؤسسات العامة والخاصة في الأردن من ضعف أو قصور في أدائهم اللغوي بالعربية؟ للإجابة عن مثل هذه التساؤلات نحتاج أن نسترشد بنتائج دراسات إمبريقية من نوع الدراسة الاستطلاعية التي تضمنتها هذه الورقة؛ ويمكن الاستشهاد بمشاهدات وملاحظات متخصصين، من نوع ما تشير إليه شكري (2009) من “أزمات معاصرة” تعاني منها اللغة العربية تعكس مشكلات في أنظمة التعليم ومناهجه، وتفشي العامية والإنجليزية، وتقتبس شكري عن أ.د. إسماعيل العمايرة، أستاذ اللغة العربية في الجامعة الأردنية، من أن الخلل في تراجع العربية يظهر في اعتياد التلميذ على التحدث بالعامية، وفي الطالب الجامعي الذي يلحن، ليتخرج ويصبح مدرساً؛ وتستشهد شكري بأستاذ اللسانيات في الجامعة الهاشمية الدكتور عيسى برهومة “قوله إن من أهم التحديات التي تواجه العربية الازدواجية في الانتقال بين العامية والفصحى عند الطفل، فضلاً عن اعتماد التلقين أساسا في التدريس”.

وتظهر تعابير “الفجوة الرقمية” و “التخلف التقني” في كتابات متخصصين (نصير، ستيتية، حطاب، المستشهد بهم في رزق، 2009)، وكيف أن اللغة العربية لم تستطع أن تواكب التغيرات المتسارعة في المصطلحات وأساليب التعبير المتعلقة بتقنيات المعلومات والحاسوب والإنترنت، مما دفع المتعاملين مع هذه المستحدثات إلى الاعتماد على اللغة الأكثر سيطرة وهي الإنجليزية.

ويشير قصري (2009) إلى مشكلات الترجمة، وكيف أن المترجم من لغة لأخرى “يتقن اللغة الأصل ولا يتقن اللغة الهدف، في غالب الأحيان، فينتج عن ذلك ترجمة رديئة، أو غير مكتملة، أو مشوَّهة…”؛ ولا يقتصر الأمر على ضعف الترجمة من اللغات الأخرى إلى العربية، إذ نلاحظ في إصدارات مترجمة كثيرة وجود أخطاء لغوية فادحة لم يتنبّه إليها ولم يدققها المترجم أو المؤلف أو الناشر، وكثيراً ما نجد كتباً مؤلَّفة، وأخرى مترجمة، شاعت فيها الأخطاء اللغوية والتراكيب الركيكة والاشتقاقات غير المألوفة.

ويرى فوزي (2009) أن الترجمة والتعريب، وتطويع المصطلحات العلمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات للغة العربية، هي من الأمور التي تشكل تحديات للمتخصصين باللغة العربية والمشتغلين في تدريسها. إلى جانب ذلك يذكر فوزي قضايا أساسية تشكل تحديات تواجه تعليم اللغة العربية، منها:

– الفجوة الواسعة في أساليب تعليم اللغة العربية إذا ما قورنت بأساليب تعليم اللغة الإنجليزية بمختبراتها اللغوية وأشرطتها المسجلة ولوحاتها التوضيحية.

– التهميش المتعمد وغير المتعمد للغة العربية، والقصور في استخدامها لغةَ بحث وعمل وتواصل على مختلف الأصعدة.

– عدم الاهتمام باستخدام اللغة العربية في سياقاتها الوظيفية والمعاصرة في القراءة والكتابة والاستماع والتحدث.

– عدم اقتناع الطلاب بجدوى تعلم القواعد النحوية، ومجافاتها لصعوبتها وابتعادها عن استعمالاتها الوظيفية.

وتبرز قضايا الصراع بين الفصحى والعامية، وبين العربية واللغات الأجنبية، وظاهرة الازدواج اللغوي، ومشكلات الترجمة والتعريب وتطويع المصطلحات العلمية والتقنية، في كتابات متخصصين وباحثين آخرين (فيصل، السويسي، 1990؛ رزق، 2009؛ قصري، 2009؛ الشيخ، 2009)، لتشكل تحديات تستدعي معالجة حثيثة، كما تستدعي استقصاء جوانب القصور المتوقعة في الأداء اللغوي عند فئات من الطلبة والمعلمين والعاملين في مؤسسات عامة وخاصة، ممن يُفترض أن لغتهم الأم هي اللغة العربية. جدير

بالذكر أن هذه الفئات سبق أن درست اللغة العربية لاثنتي عشرة سنة في مراحل التعليم العام، انتهت بامتحان الثانوية العامة الذي يكون امتحان اللغة العربية فيه متطلباً إجبارياً لجميع الطلبة؛ أما في المرحلة الجامعية فيطبق ما يسمّى “امتحان المستوى في اللغة العربية”، وهو إجباري لجميع الطلبة في جميع مستويات التعليم الجامعي.

ومع ذلك تظل القضايا اللغوية المذكورة آنفاً ماثلة للمشاهد والمتتبع لظواهرها المختلفة: شيوع العامية في أساليب الاتصال المختلفة، بما في ذلك التدريس الجامعي، تسلط اللغة الإنجليزية على كثير من مجالات التعامل الإداري والتجاري والتقني، وبروز نوع من الازدواجية قوامها العامية في التواصل العادي، والإنجليزية في التعبير العلمي والتقني والاصطلاحي.

وفي بحث أثر التلفاز على الفصحى، وكيف عزز الصراع بين الفصحى والعامية، يذكر الشمالي (2009) كيف أن الفصحى منيت بخسائر منذ دخول التلفاز إلى المنطقة العربية، ومن هذه الخسائر:

  • · “التوسع في الاشتقاق، دون مراعاة الضوابط اللغوية”.
  • · “استعمال كلمات عربية الأصل إلا أنها غير موفقة في الدلالة على المعنى المقصود”.
  • · “فسح المجال لانتشار كثير من المصطلحات الأجنبية على الرغم من وجود ما يقابلها في اللغة العربية”.
  • · “تكريس الأخطاء الشائعة وعدم الأخذ بالصواب بدعوى أن الخطأ المشهور خير من صواب مهجور”.

إمارة أبو ظبي